لقاء الأخوة الإنسانية... الأديان السمحة

24/11/2020 عام | سعادة الدكتور حمد سعيد الشامسي

 213     0

اتجهت أنظار العالم إلى دولة الإمارات العربية المتحدة التي تقود مسيرة الحوار والتعايش بين الديانات والثقافات والحضارات في وسطٍ ترتفع فيه شعارات التخلف والارهاب والتكفير. أرض "زايد" التي نبتت خيراً أسست لوطن، عماده التطور والانفتاح وتكريس لغة واحدة هي السلام..


لقد علّمنا الأب المؤسس أن المجتمعات تبنى بالتكاتف وبالتضحية وبالمبادىء والقيم الرفيعة وهذا ما تكمله اليوم قيادتنا الحكيمة من خلال توجيهات صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، "حفظه الله" الذي أعلن عام 2019 عاماً للتسامح ليعكس دور الامارات كجسر تواصل بين شعوب العالم وثقافاته في بيئة منفتحة وقائمة على الاحترام والتآلف والإخاء ونبذ التطرف وتقبل الآخر.


وقد شكلت الزيارة التاريخية لقداسة البابا فرنسيس بابا الكنيسة الكاثوليكية وفضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف اللذان يعدان من أهم رموز السلام والتسامح في العالم بتأسيس مرحلة جديدة تعزز مفهوم الأخوّة الإنسانية العالمية بمواجهة نزعات التعصب والترهيب التي تعمل على إذكاء نيران الصراعات الدينية في المنطقة والعالم.


إن تواجد هذين الرمزين الدينين على أرض دولة الإمارات إنما يجسد رسالتها الحضارية التي تؤكد من خلالها أن العالم يحتاج الآن أكثر من أي وقت مضى إلى إعلاء قيم التأخي والتفاهم من أجل أن يسود الأمن والسلام، فهذا هو جوهر حوار الأديان الذي استضافته عاصمة التسامح، أبوظبي، خلال هذه الزيارة تحت عنوان "الأخوّة الإنسانية" في تأكيدٍ واضحٍ على وحدة العالميْن المسيحي والإسلامي.

 وقد شكل توقيع "وثيقة الاخوة الانسانية – إعلان أبوظبي" لحظة نادرة في مسيرة البشرية حيث حملت معاني ودلالات سامية وقدمت للعالم نموذجاً واقعياً معبراً لدور المؤسسات الدينية في تكريس القيم السمحاء واعلاء لغة الوسطية والاعتدال والعيش المشترك ليكون أول وثيقة من نوعها في تقريب المساحات والمسافات وتثبيت رسالة السلام التي أوصلتها الإمارات للعالم بأن الاختلاف ممكن ولكن التقارب الحقيقي متاح وموجود وهو لا يحتاج إلا لجهودٍ حقيقية من قادة وزعماء.


وقد منّ الله على دولة الامارات بقادة عظماء يملكون الفكر المنير والقلب المتسامح ما جعلهم يكرسون في مناهجنا وعاداتنا وتقالدينا هذه المشاعر الطيبة في التعامل، وفي التجانس ويزرعون في داخلنا الولاء للوطن والعلم والقيادة. لم يكن لتحقق الامارات هذا التطور بعمر قياسي لا يتجاوز الـ50 عاماً وتسبق غيرها من الدول ذات التاريخ الطويل لولا حكمة المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نيهان "طيب الله ثراه" الذي زرع اللبنة الأولى لدولة منفتحة تحقق أحلام مواطنيها كما المقيمين على أرضها.

وبنفس النهج والرؤية استمر قادتنا في رسم معالم المستقبل بجهود مضنية وإرداة صلبة وعزيمة جبارة كرسها صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، "حفظه الله" وصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي وأخيه صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد ابوظبي نائب القائد الاعلى للقوات المسلحة.


لقد تجاوزت مفاعيل هذه الزيارة التاريخية حدود الإمارات وامتدت لتشمل العالم بأسره، وقد شكل القداس الذي أقامه البابا في مدينة زايد الرياضية بحضور أكثر من 180 ألف شخص رسالة واضحة بأن مساحات التلاقي مفتوحة وأن الاديان بجوهرها تعلي شأن الانسان والانسانية وتكرّم الفرد وتعزز علاقته بمحيطه.

ومن هنا كانت كلمة سمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان، وزير الخارجية والتعاون الدولي، في القمة العالمية للحكومات التي استضافتها دبي منذ أيام حين قال: "الأنبياء الكرام محمد وموسى وعيسى وإخوانهم بقية الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، كانوا دعاة سلام، وكذلك كان الفلاسفة كسقراط وأفلاطون وابن خلدون".


لقد نسجت الامارات هذه الثقافة بإيمان، فعلى ارضها أقدم مسجد في الإمارات بمدينة العين والذي يعود إلى أكثر من 1000 عام مضت، وأول دير وكنيسة في المنطقة بجزيرة صير بني ياس اللذان يعودان إلى الفترة ما بين القرنين السابع والثامن الميلاديين، لتعكس هذه الدلائل التاريخية كيف أن الإمارات منذ تأسيسها وضعت تصوراً واضحاً لتكون أرض تلتقي عليها 200 جنسية يعيشون جميعهم تحت مظلة دولة عادلة وقادرة ومتطورة، لا تميز ولا تفرق في سياستها وهذا ما جعلها تتبوأ سلم الدول وتتصدر الاحصائيات الدولية في مختلف المجالات، حيث حازت على المركز الاول في مؤشر "التسامح مع الأجانب" في ثلاثة تقارير دولية 2017 -2018. 

وقد أعلنت الدولة مؤخراً عن إقامة  "بيت العائلة الإبراهيمية" الذي تم تخصيص أرض في جزيرة السعديات في أبوظبي لاحتضانه، هذا يضاف لما تزخر به الإمارات من مآذن المساجد وأبراج الكنائس، 76 كنيسة ودور عبادة، متجاورة ومتحدة دون اضطهاد على أساس الدين أو العقيدة.


لم يأتِ هذا الجهد من فراغ، بل لقد عملت دولتنا على خطوات لتحويل التسامح إلى لغة مشتركة وثقافة مجتمعية، فكان قانون مكافحة التمييز والكراهية والذي يقضي بتجريم الأفعال المرتبطة بازدراء الأديان ومقدساتها وتبعه استحداث وزارة التسامح عام 2016، كما كانت اللفتة الانسانية الجليلة عندما وجّه صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان بإطلاق اسم "مريم أم عيسى" عليهما السلام على مسجد الشيخ محمد بن زايد في منطقة "المشرف" وذلك ترسيخاً للصلات الإنسانية بين أتباع الديانات والتي حثَّنا عليها ديننا الحنيف والقواسم المشتركة بين الأديان السماوية.

ثم كان اطلاق "المعهد الدولي للتسامح" واستضافة مؤتمرات وقمم بحضور شخصيات دينية عالمية تجتمع للتحاور على أرض الامارات. وكان افتتاح كاتدرائية النبي الياس في منطقة المصفح في إمارة أبوظبي دليل جديد على صوابية الرؤية وأحقية النهج المتبع.


واستكمالاً أطلق صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، "جائزة الأخوة الإنسانية - من دار زايد" والتي ستكرم في كل دورة أفراداً أو مؤسسات قاموا بجهود حقيقية لتعزيز الأخوة الإنسانية في مجتمعاتهم أو حول العالم، إلى جانب تأسيس "صندوق زايد العالمي للتعايش" والذي سيكون امتدادا لوثيقة "الاخوة الانسانية" ويدعم مبادئها في عدة قطاعات، كالتعليم، والتنمية الاجتماعية، والتطوير الثقافي والمعرفي لحث الطلاب والشباب على أن يكونوا رسل   للتواصل والتفاهم ونبذ العنف البغيض والتطرف الأعمى.


وقد جهدت سفارة دولة الامارات العربية المتحدة في بيروت على تعزيز هذه المفاهيم والرسائل الانسانية البحتة، حيث جمعت المقامات والمرجعيات الدينية في لقاء حواري موسع بعنوان "التعارف والاعتراف...نحو دولة المواطنة"، حيث شكل دعامة أساسية لنبذ خطاب الكراهية والغلو وإزدراء الأديان تمهيداً  للإعلان عن "عام التسامح" الذي يأتي امتداداً لـ"عام زايد 2018".


إن ما يجمع بين لبنان والإمارات تاريخ طويل من العلاقات المتينة وتمثل بيروت عاصمة للتلاقي بين 18 طائفة يعيشون في هذا البلد النموذج في الشرق الأوسط، وقد وصفت مرجعياته الروحية "وثيقة الاخوة الانسانية" بالخطوة الحضارية ونقطة التحول ورسالة السلام والرحمة التي توصلها من قلب جزيرة العرب ومن مهد الاسلام".

ندرك اليوم أكثر من أي وقت مضى أن التسامح "صمام أمان" والتعايش يحتاج جهوداً حقيقية ومن هنا يأتي الاهتمام المتعاظم لدولتنا بالمبادرات الدينية لانها تدرك جيداً أن الدين ركيزة أساسية في نفوس البشر وإن التطور المأمول لا يكون إلا بالتآزر لأن "في الاتحاد قوة"، هذا ما تعلمناه نحن في دولة الامارات عندما حول الشيخ زايد الإمارات السبع إلى دولة واحدة قوامها التعاضد والتماسك، وهذا هو النموذج الراقي الذي نقدمه للعالم اليوم بأن "السلام صعب ولكنه  ليس مستحيلاً"...


إن التاريخ، التسامح والتعايش معول بناء الحضارات، والتطرف والتعصب معول هدم، ونحتاج اليوم، أكثر من أي وقت مضى، لأشعة نور في عالمنا الحاضر كالذي يشع من أبوظبي لينير ظلام التعصب حول العالم وليعكس إرادة عالمية موحدة أن الشعوب تتعطش للحب والسلام.

إن عظمة الإيمان بالله تتجلى بتوحيد القلوب المتفرقة وبالتقارب بين كل من يؤمن بأن الله خلقنا لنتعارف ونتعاون ونتعايش كإخوة متقاربين، متصالحين ومتحابين. إن التسامح لغة عالمية تنطلق اليوم من دولة الامارات ليعمَ أثرها الايجابي جميع دول المنطقة والعالم وتعزز بمفهومها وبما صدر عنها مفاهيم الإخوة الحقة، إنطلاقاً من قوله تعالى: "ولو شاء ربُّكَ لجعل النّاسَ أمةً واحدةً ولا يزالون مُختلفين".

 

سفير دولة الامارات العربية المتحدة لدى لبنان 

د. حمد سعيد الشامسي


تعليقاتكم

لا يوجد تعليقات حالياً.


(success)