الفقه المعاصر وبناء الدولة الحضارية

04/11/2019 عام | سعادة الدكتور محمد مطر الكعبي

 274     0

تحدث العلماء والفقهاء في فقههم لوظيفة الدولة؛ مستندين إلى فهم صحيح للآيات القرآنية، وإدراك واقعي للسيرة النبوية، ولخصوا وظيفة الدولة في عبارتين هما (حراسة الدين، وسياسة الدنيا) فحراسة الدين؛ تضمن بها الدولة حرية المعتقد وممارسة الشعائر. وأما سياسة الدنيا: فأبوابها واسعة، والاجتهادات فيها متجددة، تخضع لتطور الزمان والمكان، ولكنها مهما تطورت وتغيرت؛ فلا بد أن تحقق المقاصد الإنسانية الكبرى في حفظ النفس، وحفظ الدين، وحفظ العقل، وحفظ المال، وحفظ النسل، وحفظ الوطن.

وقد تجسد الفقه المعاصر لبناء الدولة في صورته الحضارية على أرض الواقع في تجربة دولة الإمارات العربية المتحدة، حيث قام مؤسس دولة الإمارات العربية المتحدة والدنا الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه مع إخوانه الحكام ببناء دولة عصرية حديثة، قوية الأركان، شامخة البنيان، تسخر إمكاناتها لبناء الإنسان، ويتفيأ ظلال حضارتها كل من يعيش على ترابها؛ مواطنين ومقيمين، زائرين ومستثمرين؛ وتستند في دستورها إلى فهم عميق صحيح للإسلام، الذي يدعو إلى احترام كرامة الإنسان؛ مراعاة لإنسانيته كما قال القرآن الكريم: (ولقد كرمنا بني آدم) وتأسيسا على هذا المبدإ القرآني؛ فإن دولة الإمارات بنيت على أساس التعارف الإنساني، كما قال الله تعالى: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم) وإن حكومة بلادي قامت بالترجمة العملية لمعنى التعارف الإنساني؛ فأصبحت لا تميز في أدائها للحقوق، وعطاءاتها الإنسانية بين دين ودين؛ ولا بين ذكر وأنثى؛ ولا بين أعراق وألوان؛ ولا بين جنسيات وأقوام؛ كما أن الفقه القرآني لبناء الدولة ينص على أنه (لا إكراه في الدين) وتطبيقا لهذا المبدأ الراقي ضمنت قوانين دولة الإمارات حرية المعتقدات، واحترام المقدسات، وممارسة الشعائر الدينية براحة واطمئنان، ورسخت في أبنائها قيم التسامح والعطاء، وحققت في مجتمعها العدل والرخاء، واستأنفت مسيرة الحضارة بالعلم والبناء، ووصلت إلى المراكز التنافسية بالتميز والابتكار، وأقامت علاقاتها الدولية على التعاون الإنساني، والاحترام المتبادل، وصنعت لشعبها سمعة عالمية طيبة، فأصبحت معظم دول العالم تفتح لشعب الإمارات حدودها وقلوبها؛ لما يتمتع به من شخصية محبة للخير والسلام.


الدكتور محمد مطر سالم الكعبي

 رئيس الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف

تعليقاتكم

لا يوجد تعليقات حالياً.


(success)