الحكومة الرقمية في 2020

31/08/2020 تكنولوجيا | سعادة حمد عبيد المنصوري

 205     0


من طبائع الأمور أن التطور الكمّي يقود إلى تطورات نوعية. ومسيرة التحول الإلكتروني، التي انطلقت في حوالي العام 2000 ليست استثناء. فحتى العام 2010 كانت الدول الأوروبية تقيس مستوى نضوجها الإلكتروني من خلال معيارين رئيسيين هما: الحضور الإلكتروني، ومستوى التطور عبر الإنترنت. وكان متوسط ما حققته الدول الأوروبية في هذين المعيارين 70% للأول و 84% للثاني. وبينما كانت تلك الدول تضع خططها وتعدّ العدة للتنافس على المراكز الأولى، استطاعت النمسا أن تحقق اختراقاً مفاجئاً حيث تجاوزت كل المعايير، ورفعت «مسطرة» التقييم إلى مستوى جديد، واستأثرت بالدرجة الكاملة (100%) في الحضور الإلكتروني، و99% في مستوى التطوّر على الإنترنت.


في تلك الفترة، كان العالم يتلمّس ملامح نموذج جديد للحكومة الإلكترونية، حيث تبنّت الأمم المتحدة الدعوة للانتقال بمفهوم الحكومة الإلكترونية من التركيز على التكنولوجيا والحضور الإلكتروني إلى مفهوم محورية المتعامل (citizen centricity).


وأثناء مؤتمر أوروبي انعقد عام 2010 حول الحكومة الإلكترونية، عرض البروفيسور السويدي آكي غرونلوند، خبير الأعمال بجامعة أوريبو السويدية ورقة علمية بعنوان «عشر سنوات من الحكومة الإلكترونية: نهاية حقبة تاريخية، وبداية أخرى».


هذا التحول النوعي ضاعف من حجم التحدي بالنسبة لدول كانت تصارع للالتزام بالمعايير السابقة، ثم وجدت نفسها أمام متطلبات جديدة ونموذج جديد للتحول الإلكتروني.


شيء مماثل حدث هذا العام 2020، حيث تمكنت الدنمارك من رفع «مسطرة» تقييم الأمم المتحدة لمؤشر الخدمات الذكية، وحققت اختراقاً في التحول الرقمي، مما أدى لتراجع نسبي في مراكز العديد من الدول في مؤشرات التحول الرقمي المختلفة كالخدمات، والمشاركة وغيرها. ومن حسن الطالع أن الإمارات كانت من الدول التي حافظت على مراكزها المتقدمة، بل إنها حققت تقدماً في بعض المؤشرات الفرعية.


ماذا يعني ذلك؟


كما في 2010، نحن اليوم في تطور نوعي جديد يستلزم من كل دولة أن تبني نموذجها الخاص من الحكومة الرقمية. ومع أن ما يصلح لهذا البلد، قد لا يصلح لآخر، فثمة ملامح مشتركة لا يمكن القفز عنها عند التفكير بنموذج حكومة رقمية ينسجم مع روح العصر.


من هذه القواسم المشتركة أن الحكومة الرقمية اليوم أصبحت أقرب إلى الأمة الرقمية أو المجتمع الرقمي، حيث تلعب الحكومة دور «المايسترو» الذي ينظّم ويراقب ويمكّن ويخطّط، بينما تتشارك الأطراف جميعاً في تطوير الخدمات، وتقديمها للمتعاملين. الأطراف المقصودة هنا هي الإدارات الحكومية والشركات والجامعات والمنظمات الأهلية والأفراد.


الحكومة الرقمية اليوم تقاس بأثرها في تحقيق التنمية والرفاهية والإدماج الاجتماعي، وهي من المحركات الرئيسة لتطبيق أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة، وتحقيق مبدأ «لن نترك أحداً خلف الركب». إنها حقبة جديدة الابتكار والروح الاستباقية والاستيعاب العميق لتقنيات الثورة الصناعية الرابعة، والأهم من كل ذلك العمل بروح الفريق الواحد، فقد كانت الحكومة الرقمية على الدوام، وما زالت، تعيش وتزدهر في بيئة من التعاون والتكامل والترابط على كل المستويات، أما الجزر المعزولة، والجدران المفتعلة، فهي تخنق برامج التحول الرقمي وتحدّ من نموها، تماماً كما تفعل الأسقف الواطئة والطموحات المتواضعة.


حمد عبيد المنصوري  

هيئة تنظيم الاتصالات

تعليقاتكم

لا يوجد تعليقات حالياً.


(success)