الاسفلت العطشان

16/06/2020 البنية التحتية | المهندس/ غسان فواز طبرة

 97     2

يستطيع سطح الأرض في الغابات أن يمتص ما يصل إلى 80 إلى 90 بالمئة من مياه الأمطار، أما في أراضي المدن المغطاة بالأسفلت والخرسانة غير المنفذة للماء، فإن هذه النسبة تنخفض بشكل هائل لتصل إلى 10 بالمئة فقط، وهي المشكلة التي تظهر بشكل أوضح كلما زاد عدد الناس المهاجرين من الريف إلى الحضر وازداد الرصف بالمقابل، طريقة إصلاح البشر لهذا الخلل كان في بناء نظام بنية تحتية متماسك وقادر على صرف مياه الأمطار العاصفة، لكن الأمر تفاقم بعد أن أصبحت معظم شبكات الصرف قديمة وغير قادرة على مواكبة الزيادة في زيادة هطول الأمطار المرتبطة بالتغير المناخي، فعندما يتجاوز هطول الأمطار قدرة نظام الصرف والبنية التحتية، تتكون السيول الخطيرة على الفور، لتهاجم كل ما في طريقها.

فكرة الرصف بمواد منفذة للمياه ليست جديدة، فقد بدأ المهندسون المعماريون والمصممون في المناطق الحضرية باستخدام هذه المواد في رصف مناطق المشاة منذ ما يصل إلى عقد من الزمان، كما إن المهندسين استخدموا الخرسانات المسامية ووضعوها تحت طبقة الرصف الأساسية كمادة مساعدة للتصريف، لكن الجديد في هذه المادة التي ابتكرتها شركة بريطانية وسمتها Topmix Permeable، هو في كونها أول مادة منفذة توضع في أماكن عليها ضغط عالي وأجسام سائرة ثقيلة بعكس المعتاد من استخدامها في أماكن المشاة فقط، كما إنها المرة الأولى التي تكوaن لوحدها.
وتم اختبار المادة المستعملة في موقف للسيارات، حيث امتصت الخرسانة 880 جالون أي حوالي 4 آلاف لتر من الماء في غضون دقيقة واحدة، إذ اختفت المياه بمجرد وصولها للأرض.
الخرسانة التقليدية ليست منفذة للمياه، كما إن الرمل مكون أساسي فيها، وهي لا تمتص أكثر من 300 ميللي لتر من الماء كل ساعة، أي ما يكفي للتعامل مع عاصفة كبيرة كل 100 سنة، لكن هذه الخرسانة العطشى تعتمد على نوع يسمى “خرسانة بلا نواعم”، أي إنها تستبدل بالرمل الصغير الموجود، قطعاً صغيرة من الجرانيت المجروش الكبير نسبياً.
عندما يسقط المطر على خرسانة Topmix، فإنها تقوم بإنفاذها عن طريق الخرسانة المسامية، التي يوجد لها قاعدة من طبقة حصى ذات مسافات بينية كبيرة، كما إنها تقوم بعمل ترشيح للملوثات في هذه العملية أيضاً مثل زيت المحركات المختلط بالمياه، لتنهمر الأمطار للأسفل وتنضم إلى مخزون المياه الجوفية، أو يتم توجيهها إلى أغراض أخرى مثل ري المحاصيل أو مياه تنظيف المراحيض، الأمر يعتمد على قدرة التربة بالأسفل على الاستيعاب، لن تحتاج لبناء خزانات، فيما لديك هذه الآلية السلسة للتصريف.
الشركة تقول إن الخرسانة الجديدة لن تكون نافعة في تصريف السيول والفيضانات فحسب، بل إنها ستكون مهمة في الجو الحار أيضاً، فأثناء فترات سقوط المطر الشديد مع الحرارة العالية، فإن الماء المخزن بالأسفل يتبخر مولداً تأثيراً تبريدياً مقللاً حرارة السطح.
المناطق التي تعاني من برودة قارسة لن تكون مناسبة لهذه الخرسانة، من المحتمل أن الخرسانة سوف تتعرض للتدمير، بسبب المسافات البينية بين الجزيئات التي تسمح بتجمد المياه، ما يجعل السطح فوقها يتكسر، كما إن الشركة تحذر من رصف الأماكن ذات كثافة المركبات العالية، قائلة إنها أنسب أكثر لأماكن ركن السيارات والممرات القصيرة أو المداخل أكثر من الطرق السريعة.
لا تتوقع أن تصبح الخرسانة المسامية المادة الجديدة لرصف شارع بيتك بدل الأسفلت بهذه السرعة، فخرسانة Topmix ليست متاحة حتى الآن إلا في المملكة المتحدة، كما إنها محدودة الخيارات حتى الآن كما أسلفنا، بالإضافة إلى أنها لا تستطيع تقديم الحماية من الفيضانات للمدن الساحلية ضد ارتفاع مستوى سطح البحر، لأن التربة السفلية في هذه الأماكن تكون مشبعة بالماء بالفعل، لهذا لن يجد المطر مكاناً يذهب فيه، الخبراء قالوا إنه لن يكون مفيداً إلا في الحماية من فيضانات سقوط الأمطار والأنهار، السؤال الآن: هل سيستفيد الوطن العربي –بالذات البلاد المنكوبة والمهددة- من هذه الخرسانة في المستقبل أم لا؟


المهندس. غسان فواز طبرة

وزارة تطوير البنية التحتية

تعليقاتكم

2 Comments

مجهول علق في 21/06/2020

في حال تم اصلاح وتهيئة الخرسانة لتناسب بيئة الوطن العربي


مجهول علق في 21/06/2020

سيستفيد الوطن العربي من هذه الخرسانة إذا تم استخدامها الاستخدام الامثل.


(success)