الوساطة كخيارٍ متميزٍ لتسوية المنازعات المدنية والتجارية

01/11/2022 عام | القاضي خالد سيف الشعالي / رئيس محكمة ابتدائية

 585     0

لعقودٍ طويلة استشعرت القطاعات القانونية وأوساط الأعمال بالعديد من الدول الحاجة لوجود وسائل بديلة للتقاضي بمفهومه المعتاد، في تطلعٍ لأنظمة تستحدث أساليب أكثر مرونةً وفعاليةً لتسوية المنازعات، أنظمةٌ تتخلص من القيود التي تلف إجراءات المحاكم لتختصر الوقت والجهد والتكاليف، وتتيح للأشخاص الطبيعيين والاعتباريين الوصول للعدالة بقدرٍ أكبر نسبياً، ومن هنا سُنت قواعد التحكيم، والتوفيق، والتقييم المحايد، وكذلك الوساطة.

        يقوم مفهوم الوساطة على استعانة أطراف نزاعٍ ما بشخصٍ محايدٍ كوسيط؛ لمساعدتهم في تقريب وجهات النظر، وفهم مواقفهم المتباينة، وإدارة جلسات الحوار، والاطلاع على حججهم وأسانيدهم، تمهيداً لإبداء المشورة القانونية أو الفنية، ووصولاً لاقتراح التسوية المنصفة التي تحقق توازناً بين مصالحهم المختلفة. كما أنها اختياريةٌ في كافة مراحلها، فهي اختيارية ابتداءً واستمراراً وانتهاءً، فلا تبدأ سوى باتفاق كافة الأطراف، ولا تستمر إن رغب طرفٌ عنها، ولا تنتهي بإبرام التسوية إلا بموافقة الكافة.

        تمتاز الوساطة عن التقاضي وبعض البدائل الأخرى للتقاضي بكون إجراءاتها لا تتصف بذات الصفة الرسمية، فتقوم على مشاركة أطراف النزاع في الحوار بشكلٍ فعال، من خلال مناقشة التفاصيل المختلفِ بشأنها، وتقديم عروض التسوية، وهي بذلك تتيح للأطراف السيطرة على أسلوب سيرها، والتحكم بمخرجاتها أكثر من أي طريقٍ آخر لتسوية المنازعات. إلا أن ذلك الدور الكبير لأطراف النزاع لا ينال من أهمية دور الوسيط، ولا يقلل من ضرورة امتلاكه مهاراتِ التواصل الفعال، ومعرفته بأساليب التفاوض المجدي، في إطارٍ من الحلم والحكمة، وبذلك يكون للوساطةِ بعدٌ قانوني يتصل بالإجراءات والأحكام المقررة قانوناً، وأبعادٌ إداريةٌ ونفسية واجتماعية شتى.

        لم تكن للوساطة أحكامٌ مقننةٌ بالدولة حتى صدور القانون الاتحادي رقم (6) لسنة 2021 في شأن الوساطة لتسوية المنازعات المدنية والتجارية، الذي جاء منظماً لقواعد الوساطة بنوعيها، القضائية: التي تبدأ بين أطرافٍ لديهم دعوى متداولة لدى إحدى دوائر المحكمة المدنية أو التجارية، ومن ثم يطلبون منها إحالة النزاع لمركز التوفيق والوساطة، وغير القضائية: التي يتجه أطرافها للمركز المذكور مباشرةً طلباً لتعيين وسيطٍ دون وجود دعوى سابقة، ومن الجدير بالذكر أن المشرع قد اشترط أن يكون الاتفاق على الوساطة مكتوباً، ورتب البطلان كجزاءٍ على تخلف ذلك.

        حرص المشرع على ألا يقيد بقوائم الوسطاء سوى من سيكون لديه إضافة نوعية لمنظومة الوساطة، ضمن عدة فئات، فالفئة الأولى تمتاز بأن لها خلفية قانونية واسعة، وهم من أعضاء السلطة القضائية المتقاعدين والمحامين المقيدين، وكذلك الخبراء العالميين في مجالي القانون والأعمال، والفئة الثانية تمتاز بأن لها خلفية فنية صرفة، فهم من الخبراء المقيدين بجداول وزارة العدل أو الجهات القضائية المحلية، والفئة الثالثة تمتاز بأن لها خبرة فريدة في عقد جلسات الصلح وإبرام التسويات، وهم من الموفقين المعينين أو المنتدبين بمركز الوساطة والتوفيق، وذلك كله ضمن اشتراطاتٍ عدة -حددتها اللائحة التنظيمية- تتصل بالمؤهلات العلمية، والخبرات العملية، واجتياز فترة التدريب والامتحانات والمقابلات، وهو الأمر الذي إن دل على شيء؛ فإنه يدل على العناية الكبيرة التي أولاها المشرع للتأكد من اختيار الوسطاء من صفوة الكوادر المتاحة.

        وحسناً فعل المشرع حين خصص العديد من المواد المتفرقة ليضع الأطر العامة لعمل الوسيط، لاسيما المتصلة بإجراءات البدء بالوساطة، وكيفية عقد جلساتها مع الأطراف مجتمعين، أو مع كل طرفٍ على حده، مؤكداً على مبدأ سرية المعلومات المتداولة خلالها بشكلٍ صارم، كما أنه قد عدد صلاحيات الوسيط، وأشار للمحظورات التي يمتنع عليه القيام بها خلال الوساطة أو بعدها، للحيلولة دون نشوء حالةٍ من حالات تضارب المصالح، على اعتبار أن كثيراً من الوسطاء سيكون لهم أكثر من صفة مهنية، كأن يكونوا وسطاء ومحامين، أو وسطاء وخبراء فنيين.

        ختاماً، إن تساءلنا عن المأمول من إعمال قواعد الوساطة بشكل فعلي على أرض الواقع، فستتبادر للذهن الإجابة المتكررة بأن من سبيل ذلك أن يخفف أعداد الدعاوى المعروضة على المحاكم، وأن يتيح للأفراد والشركات خياراً أكثر كفاءةً من جهة الوقت والجهد والتكلفة المادية، إلا أنه من المأمول كذلك أن تفتح الوساطة فرصاً استثمارية لمكاتب الوساطة العالمية، ومكاتب المحاماة والخبرة الفنية المحلية، وأن تشيع ثقافة التسوية الودية بين قطاعات المجتمع بشكل أكبر، وأن تمنح العديد من التجار والأفراد الذين تتوافر لديهم نيةٌ صادقة في الوصول لحلولٍ منصفةٍ فرصةً لخيارٍ وديٍ، فعالٍ، ومرن. 

تعليقاتكم

لا يوجد تعليقات حالياً.


(success)