كوب 26 ..فجوة المعرفة في مواجهة التغير المناخي

31/03/2021 البيئة والطاقة | د. عبدالله بن محمد بلحيف النعيمي

 27     27

يشهد المجتمع الدولي حالياً تحركاً سريع الوتيرة للاستعداد للدورة الجديدة من مؤتمر دول الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية للمناخ "كوب 26" الذي سيعقد في مدينة غلاسكو البريطانية نوفمبر المقبل، وخصوصاً مع عودة الاهتمام الدولي بقضايا البيئة والمناخ إلى صدارة أولويات أغلب دول العالم، تحقيقاً لمبدأ التعافي الأخضر من التبعات التي خلفتها جائحة كورونا، وعودة الولايات المتحدة الأمريكية إلى ركب العمل من أجل المناخ.

لا شك أن هذا التسريع لوتيرة العمل المناخي، والتبني العام لمبدأ التعافي الأخضر يصب في مصلحة الإنسانية واستدامة الحياة على كوكب الأرض، خصوصا وأن المؤتمر المزمع انعقاده سيركز على تقييم مستوى التزام الدول الأطراف بتنفيذ مستهدفات اتفاق باريس للمناخ، وأهداف التنمية المستدامة والسعي لتحقيق حيادية الكربون وسيطالب هذه الدول برفع سقف مساهماتها المحددة وطنياً.

على الرغم من الحالة الإيجابية التي يمثلها هذا التحرك الدولي  سريع الوتيرة والذي من دوره تعزيز قدرات مواجهة التحدي الأهم الذي يواجه كوكب الأرض، لكن يجب أن نمعن النظر هنا في طبيعة العمل الدولي من أجل المناخ، ونطرح العديد من الأسئلة، على رأسها هل توجهات العمل التي تم الاتفاق عليها بموجب اتفاق باريس واتفاقية الأمم المتحدة الاطارية تحقق عدالة العمل من أجل المناخ بين كافة المناطق والدول، وهل ستمكننا من مواجهة التغير المناخي وتعزيز قدرات التكيف مع تداعياته بالشكل المطلوب، دون التعرف بوضوح على طبيعة تأثيراته على كل منطقة، بمعنى هل خفض انبعاثات الكربون يجب أن تتساوى في تطبيقه الدول الصناعية الكبرى مع دول إفريقيا، وهل زيادة حصة الطاقة المتجددة وبالأخص الطاقة الشمسية يجب أن يطبق بالقدر ذاته في دول شمال أوروبا مقارنة مع دول الخليج العربي.

إن التعامل مع تحدي التغير المناخي الذي يقف خلف وفاة 7 ملايين وفاة سنوياً نتيجة تلوث الهواء، ويتوقع أن تؤثر تداعياته سلباً على قدرة 220 مليون شخص على البقاء بنهاية العام الجاري، وبلغت قيمة الخسائر الاقتصادية التي تسببت فيها 335 مليار دولار في 2017، يجب أن يتم على النحو ذاته الذي يطبقه علم الصيدلة الإكلينيكية في علاج المرضى، معتمداً على التعامل مع كل مريض كحالة ذات خصوصية، أي تقديم الدواء للمريض بعد دراسة شاملة لحياته وطبيعة مرضه وقدراته الجسدية ما يضمن تحقيق أعلى معدل شفاء ووقاية مستقبلية من المرض.

وهنا تظهر الإشكالية الحقيقية التي يجب الالتفات إليها في تحديد إجراءات مواجهة تحدي التغير المناخي، وهي فجوة المعرفة والتي تعني نقص وفي بعض الأحيان غياب الدراسات المتخصصة التي تحدد لكل منطقة في العالم طبيعة التأثيرات المتوقعة للتغير المناخي عليها، والتي بناء عليها يمكن اعتماد الإجراءات المطلوبة منها لمواجهة هذا التحدي والتكيف مع تداعياته بما يتناسب مع خصوصياتها من حيث طبيعتها المناخية وقدراتها الاقتصادية وتركيباتها السكانية والمجتمعية.

فعلى سبيل المثال يمكن لدول الخليج العربي التوسع بشكل كبير في استخدام حلول الطاقة الشمسية التي يمكنها الاستمرار على مدار العام في الإنتاج على عكس دول شمال أوروبا التي تتراجع فيها مستويات سطوع الشمس خلال فترات طويلة من العام، وقد ظهر هذا واضحاً خلال موسم الشتاء الماضي في بعض الدول الأوروبية حينما توقفت محطات توليد الطاقة الشمسية عن إنتاج الطاقة بسبب موجة البرد وتساقط الثلوج.

وفي مثال أخر، لا يجب مطالبة الدول ذات القدرات الصناعية المتواضعة بخفض المعدل ذاته من الانبعاثات الكربونية، مقارنة مع الأخرى التي تحتل الصدارة في القطاع الصناعي عالمياً، خصوصا إذ كانت تقارير الأمم المتحدة توضح أن الأخيرة مسؤولة عن 75% من حجم انبعاثات غازات الدفيئة في مقابل 25% فحسب لباقي العالم.

ويتمحور حل إشكالية سد الفجوة المعرفية في توسع كل منطقة إقليمية في إجراء دراسات وابحاث مشتركة حول مظاهر التغير المناخي وتأثيراته التي تشهدها حالياً والمتوقعة مستقبلاً، ومتطلبات العمل من أجل مواجهته وتعزيز قدرات التكيف مع تداعياته، وكيفية التوظيف الأمثل والأكثر فعالية للتقنيات الحديثة وبالأخص الذكاء الاصطناعي والحلول الابتكارية، ما يساهم في إيجاد حالة من التكامل الدولي في هذا العمل ويساعد بشكل فعال في ضمان مواصلة النمو الاقتصادي واستدامة حماية البيئة.

هذا النوع من الحلول الفعالة شكل جزء من جهود دولة الإمارات للعمل من أجل المناخ، فبفضل الدعم الذي توفره القيادة الرشيدة تم تأسيس المعهد العالمي للنمو الأخضر والذي ساهم في تحفيز حركة الدراسة والبحث للتغير المناخي.

ولإحداث حراك بحثي ذو فاعلية على مستوى منطقة الشرق الأوسط، لتأثيرات التغير المناخي، أطلقت وزارة التغير المناخي والبيئة "شبكة أبحاث تغير المناخ في دولة الإمارات" والتي ستعمل على تعزيز منظومة جمع البيانات وإعداد الأبحاث والدراسات ذات العلاقة بتأثيرات التغير المناخي، وتعزيز قدرات كافة القطاعات على التكيف مع تداعياته في المنطقة الشرق الاوسط، عبر التعاون الوثيق مع العديد من المؤسسات الأكاديمية والبحثية المتخصصة على مستوى المنطقة.

الشبكة التي اطلقنا العمل بها يناير الماضي، تركز على سد الفجوة المعرفية بالتغير المناخي، عبر رصد تأثيراته الحالية والمتوقعة مستقبلاً على المنطقة ودراستها وتحليلها بشكل موسع، لتخرج منها بتوصيات تحدد استراتيجيات العمل الملائمة للتكيف مع تداعيات التغير المناخي في دول المنطقة.

ولضمان تحقيق هذا الجهد البحثي للهدف المرجو منه، سيتم اتاحة نتائج الأبحاث والدراسات لكافة أفراد المجتمع لرفع وعيهم بالتغير المناخي، وما تشهده المنطقة من تداعيات وما يمكن ان تواجهه مستقبلاً وكيفية التكيف معها.

إن قدرتنا الحقيقة على مواجهة كافة التحديات ومعالجتها والتكيف مع تأثيراتها يرتبط بمدى معرفتنا الحقيقية بما نواجه والاستفادة من هذه المعرفة في رسم توجهات عملنا، وهذا ما نستهدف ايصاله للعالم أجمع عبر جهود دولة الإمارات في العمل من أجل المناخ بشكل عام، وعبر شبكة أبحاث المناخ بشكل خاص.

تعليقاتكم

لا يوجد تعليقات حالياً.


(success)