ثورة الطاقة المتجددة تحتاج تعاوناً وثيقاً بين القطاعين العام والخاص

27/08/2020 البيئة والطاقة | د. نوال الحوسني المندوب الدائم لدولة الإمارات لدى الوكالة الدولية للطاقة المتجددة (آيرينا)

 65     0

تسبب وباء كوفيد-19 بتحركً عالمي غير مسبوق على صعيد تدخل الحكومات خلال أوقات السلم. فقد وجّه قادة الدول والهيئات الحكومية بإغلاق جماعي للأنشطة الصناعية بهدف حماية الناس، الأمر الذي أدى إلى انخفاض انبعاثات الغازات الدفيئة بشكل ملحوظ. لكن هذا القسط القصير من الراحة التي حظيت بها بيئة الكوكب من الانبعاثات الضارة جاءت على حساب النمو والاستقرار الاقتصادي في كثير من الحالات، ما أشعل مجدداً الحوارات التي تثبت النجاعة الاقتصادية لمفهوم التنمية المستدامة.



وبحسب الوكالة الدولية للطاقة "IEA" من المتوقع أن يشهد العام الحالي هبوطاً بنسبة 8% في استهلاك الطاقة العالمي، وهو الانخفاض الأكبر للاستهلاك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وبالتالي سيؤدي هذا الأمر إلى تقليل انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون بنسب تتراوح بين 3 و13 بالمائة مقارنة بالعام الماضي 2019، وذلك بالاعتماد على توقيت إنهاء إجراءات الإغلاق حول العالم.



صحيح أن بيئتنا نعمت بشيء من الراحة خلال النصف الأول من العام الحالي بسبب الوباء، إلا أننا قد نتعايش مع واقع مؤلم في المستقبل. فحتى لو حافظ استهلاك الطاقة على مستوياته المنخفضة في الفترة المتبقية من هذا العام، فإن ذلك لن يتسبب بفارق ملموس في الاحتباس الحراري الذي سيواجه كوكبنا بحلول العام 2050، إذ ما زالت أمامنا حقيقة صعبة تتمثل في ضرورة التخلص من 92% من الانبعاثات الكربونية الحالية إذا أردنا فعلاً أن نحقق أهداف اتفاقية باريس للمناخ الرامية إلى الحد من ارتفاع الحرارة عالمياً بمعدل 1.5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل حقبة الثورة الصناعية.



وكل ما حصلنا عليه حالياً في ظل الوضع الراهن هو مجرد بداية. لذا يجب أن يدرك المهتمون بحماية الكوكب أنه لا يمكن تحقيق عملية تحول مصادر الطاقة عالمياً وتحقيق أهداف العمل من أجل المناخ بطريقة تدريجية، ولن يكون تنظيم كل قطاع على حدة أمراً كافياً لأنه سيؤدي إلى انخفاض ضئيل جداً بالانبعاثات الكربونية مقارنة بالمستوى المطلوب، وهذا ما شهدناه فعلاً خلال فترة الوباء.  


ومع إعلان المنتدى الاقتصادي العالمي عن مبادرة "إعادة الضبط الشامل"، تتوفر أمامنا فرصة ذهبية للتعاون المشترك لبناء أسس جديدة لمنظومتنا الاقتصادية والاجتماعية والاضطلاع بمستقبل أكثر عدالة واستدامة ومرونة تكون فيه الممارسات الخضراء والمبنية على الطاقة المتجددة هي الأساس. لكن لا يمكن للهيئات الحكومية وحدها أن تقوم بهذا الدور، إذ تتطلب الجهود إشراك جميع أفراد المجتمع ومنظماته ومؤسساته.


يجب علينا جميعاً الانتقال إلى منظومة اقتصادية أكثر استدامة يقودها جميع أصحاب المصلحة من القطاعين العام والخاص.

وفي ظل سعي الشركات حالياً إلى استنهاض الاقتصاد العالمي من ركوده، حان الوقت لكي ندعم الجهود التي ستسرّع عملية إنشاء بنية تحتية ملائمة للمناخ تعمل على حماية مصادرنا الطبيعية، وتسهم في تنويع الاقتصاد بعيداً عن النفط، وتساعد في الوقت ذاته نمو الاقتصادات وخلق فرص العمل.



ولتحقيق الغايات المنظورة، يجب أن تتوفر ثلاثة عوامل رئيسية هي المحفزات الحكومية، واستثمارات القطاع الخاص، والتخطيط المستقبلي للقطاع العام. إن إثبات النجاعة الاقتصادية لمصادر الطاقة المتجددة ومساهمتها في اقتصاداتنا لم يعد أمراً جديداً، وكل ما فعله وباء كوفيد-19 هو تسريع وتيرة هذه العملية التي أصبحت أمراً حتمياً لا يمكن تجاهلها بعد الآن. لقد حان الوقت لتفعيل العمل المشترك إلى مستويات جديدة بهدف الارتقاء بقطاع الطاقة المتجددة.  


د.نوال الحوسني

آيرينا

تعليقاتكم

لا يوجد تعليقات حالياً.


(success)