مسبار الأمل: الرحلة والحكاية والحلم

12/07/2020 عام | سعادة حمد عبيد المنصوري

 181     0


عيوننا وقلوبنا تتجه هذه الأيام نحو مركز تانيغاشيما الياباني، استعداداً للحظة لا يجود الزمان بمثلها كثيراً، لحظة انطلاق مسبار الأمل نحو المريخ. وقبل بدء العد التنازلي، أردت أن أضع خطين تحت حقيقة يجب ألا تغيب عن البال، وهي أن بداية هذه الرحلة ليست في تانيغاشيما، بل هنا، في هذه الصحراء التي أنجبت صناع الأمل وبناة الاتحاد ومهندسي النهضة وقاهري المستحيل.


مسبار الأمل صنعته عقول وسواعد إماراتية، ثم جرى نقله بمنتهى الدقة والمهنية من مركز محمد بن راشد للفضاء، نحو مطار آل مكتوم، ليسافر عبر طائرة شحن عملاقة إلى اليابان. وعندما حلّت الجائحة، وتعطلت برامج فضائية عديدة في العالم، كان القرار الإماراتي واضحاً لا لبس فيه: سينطلق المسبار في موعده، وعلى الفريق أن يأخذ كل التحديات في الاعتبار، وهذا ما كان. حتى أن الأمر تطلب سفر بعضهم إلى اليابان قبل وقت كافٍ لقضاء فترة الحجر الصحي بعيداً عن الوطن، استعداداً لاستقبال المسبار واستكمال الترتيبات.


هذا عن الرحلة، أما الحكاية، فمن كتب فصولها الأولى هو المغفور له، بإذن الله، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، عندما التقى في سبعينيات القرن الماضي مع فريق وكالة ناسا المسؤول عن رحلة أبولو إلى القمر، وكان ذلك اللقاء حافزاً لما نراه اليوم في قطاع الفضاء الإماراتي الذي وضع اسم الدولة باقتدار في مصاف الأمم المتقدمة فضائياً. إن حكايتنا مع الفضاء ليست معزولة عن سياق ممتدّ عبر مئات السنين، وهذا يأخذنا إلى الحلم الذي أسس لمسبار الأمل.


ففي سالف الأزمان، كان أجدادنا يطلقون العنان لأحلامهم كي تسبح في الأفلاك، يتأملون في عوالم النجوم والكواكب، ويفكرون في أسئلة الكون الكبرى. وشيئاً فشيئاً، صار الفضاء حلماً عربياً ينتقل من جيل لجيل، حتى أن الفلكيين العرب الأوائل أهدوا العالم أكثر من عشرة آلاف كتاب ومخطوط، ما زال بعضها إلى اليوم يعدّ مرجعاً مهماً لجامعات عالمية مرموقة. اليوم، بعدما قيّض الله لهذه الأمة قادةً عظاماً، ها هو حلم العرب الطويل يتحول إلى واقع نراه رأي العين على شكل مسبار الأمل، هذا المشروع الذي يعيد وصل من انقطع من مسيرة الحضارة العربية، ويحمل آمال العرب إلى كوكبهم الرابع.


نحن اليوم نبعد مسافة أيام قليلة، ليس عن رحلة الألف ميل كما ورد في الأمثال، بل عن رحلة الـ 493 مليون كيلومتر التي سيقطعها مسبار الأمل وصولاً إلى الكوكب الأحمر. في هذه اللحظة، لا بد من تحية نوجهها بقلب مفعم بالعرفان إلى وكالة الإمارات للفضاء بقيادتها وكوادرها، وإلى كل العاملين في قطاع الفضاء والعلوم المتقدمة في الدولة. لقد أكدتم أن أصدق تعبير عن الأمل هو العمل، وأن أمضى سلاح لمواجهة تحديات المستقبل هو سلاح العلم والابتكار.


تلك كانت رسالة المسبار إلى الشباب العربي. أما رسالته إلى شباب وشابات الإمارات، فهي بسيطة وواضحة: إذا كان مسبار الأمل هو الصفحة الأخيرة في الخمسين الأولى، نريدكم أن تجعلوه صفحة أولى في الخمسين الثانية.


سعادة حمد عبيد المنصوري

مدير عام- هيئة تنظيم الاتصالات


تعليقاتكم

لا يوجد تعليقات حالياً.


(success)