القاعدة الأولى للتعلم والتدريب

26/02/2020 عام | سعادة سعيد محمد المقبالي

 1586     22

الحمد لله الذي علم الإنسان ما لا يعلم، والصلاة والسلام على رسوله معلم الأمم، إن كان ما أكتبه خيراً فأسأل الله أن ينفع به خلقه، وإن كان غير ذلك فأساله سبحانه أن يهديني للصواب.


وبقدر ما أسعدتني دعوة وزارة الخارجية والتعاوني الدولي للمشاركة بكتابة هذه الكلمة، فإن سعادتي ستكون أكبر إذا استفاد قراء هذا المقال من تجربتي التي سأدون أجزاء مختصرة منها في هذه الصفحة.


وما سأعرضه لكم ما هو إلا خلاصة بسيطة اعتبرها القاعدة الأساسية  لما استفدته من تجارب الميدان فيما يخص "التعلم والتدريب" خلال عملي الحكومي وحين تفرغت للأعمال الحرة، واسمحوا لي أن تكون جملي شبيهة بالتوجيه المباشر، فلن يقرأها إلا حبيب أرجو فائدته، كي تتعلم، كي تفهم، كي تستوعب، لكي تتقن ،، ضع طموحاتك المادية جانباً، اخلع عنك رغبتك في الشهرة والفوقية واتركها خلفك، تحرر من كل هذه الطموحات التي تصاحبك دائماً مع هواجسها.


المركز الاجتماعي، وارتباطك الفكري به لا يمكن أن يجلس معك على مقعد العلم، ولا يمكن للعلم أن يجد طريقه إلى عقلك أو يترسخ فيه ما دام هذا العقل تستحوذ عليه شجون وشؤون المركز العالي، فالتجرد من هذه التبعية أول الطريق كي تكون طالب علم حقيقي.


الطموح الطاغي للشهرة، والمال، والمركز بسبب ارتباطها بالمجاملات الاجتماعية والملاحقة الدائمة لأضواء الفرص لن تبقي لك وقتاً تستثمره في التعلم، ولن تبقي مساحة في عقلك للحفظ والتحليل والاستنتاج المنطقي، مهما مررت به من دروس، ومهما مر بك من معلومات خلال يومك.


أفضل أوقاتي في التعلم وتلقي التدريب تلك التي قضيتها بين مجموعات من الأشخاص الأقل مني منصباً، حيث أجد نفسي تلقائياً أنزل عن صهوة "الحياة الهائجة" لهدوء اللحظات، التي تنساب فيها المعلومات في قاعة الدرس، فيثريها النقاش لتتوالد منها معلومات جديدة وأفكار عميقة، ولم تزدني لحظات التعلم والتدريب مع مجموعات أو أفراد ذوي مناصب مساوية لي إلا ضياع للوقت في نقاشات يحاول كل طرف منا فيها إثبات معرفته وعلمه أكثر من الآخر، أو ربما نخرج أحياناً عن الهدف الذي جلسنا من أجله في تلك القاعة فنغادرها بلا جديد يذكر.


تأكد دائماً بأنك مهما وصلت من معرفة وعلم ودرجات علمية، فإنك ستبقى جاهلاً بأغوار الحياة والكون، فمسالك العلم لم يتمكن إنسان قبلك من الإحاطة بها، فلا تصل بك بضع معلومات اكتسبتها إلى الإحساس الكاذب بأنك حزت العلم الذي تحتاجه(وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا)،  (وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ).

وربما يعتقد بعضنا ممن ترك الوظائف العامة أو المهن الفنية، واتجه للأعمال التجارية، بأنه لم يعد بحاجة إلى تلقي أي نوع من العلم أو التدريب، فعمله يعتمد على اقتناص الفرص، والمجاملات، والاتفاقات، واثبات الوجود في الأسواق، إلا أن هؤلاء البعض يفوتهم بأن الفهم الجيد لبيئة الأعمال وتقلباتها يتطلب التعلم، والتعامل معها يتطلب التدريب، ولإتقان القدرة على النجاح في عالم الأعمال، دائما نحتاج للتدريب المستمر، لنواكب السرعة الرهيبة لتحولات هذا العالم.

 

في هذه الأسطر حاولت أن أقدم لكم قاعدة أساسية، خلاصتها: عند لحظاتك التي تقضيها في سبيل التعلم والتدرب، انسى أي طموح آخر غير الفائدة العلمية والعملية، وحول كل مكتسباتك المادية والمعنوية إلى جسور توصلك إلى موارد العلم، وليس العكس، مقتنعاً دائماً بأنك لا زلت طالب علم، مهما تقدم بك الزمن ومهما علا شأنك.

 

سعادة سعيد محمد بن مرشد المقبالي

سفير دولة الإمارات في جمهورية القمر المتحدة

وزارة الخارجية والتعاون الدولي

تعليقاتكم

22 Comments

مجهول علق في 04/03/2020

نعم هذه معادله صحيحه وهذا عن تجربة شخصية وذلك عند الرغبه في التعلم يجب ان تبتعد كل كل ما حولك من الملهيات الجانبية. شكرا معالي السفير علي المقال الجميل. حمدان الشكيلي


مجهول علق في 01/03/2020

جميل ان تستمر في التعليم والبحث عن المعرفة والأجمل من صاحب المقال انه لم يبخل علينا من خلاصة خبراته شكرا سعادة سعيد المقبالي. على هذا المقال الرائع


(success)