رؤية جديدة لقطاع المرافق الابتكار والشراكة من أجل غدٍ أكثر استدامة
28/08/2025 البيئة والطاقة | المهندس يوسف آل علي، الرئيس التنفيذي لشركة الاتحاد للماء والكهرباء
120 0
يشهد قطاع الطاقة والمياه، على مستوى العالم، تحوّلاً جذريّاً. وقد شكّل "المؤتمر العالمي للمرافق 2025"، محطة محورية جمعت قادة هذا القطاع لمواجهة التحديات الكبرى، والأهم من ذلك، لتجديد الالتزام طويل الأمد، ببناء مستقبل مستدام. فالقطاع يواجه ضغوطاً كبيرة، من النمو السكاني المتسارع، إلى المخاطر المناخية المتفاقمة، وصولاً إلى الضرورة الملحّة لخفض الانبعاثات الكربونية.. ومع ذلك، تبقى فرص الابتكار والتعاون في متناول اليد.
وفي هذا الإطار، تواصل دولة الإمارات، التي تتمتع بسجل حافل في العمل المناخي الطموح، قيادة هذا التحول. فبدءاً من "اتفاق الإمارات" التاريخي خلال مؤتمر (COP28)، وصولاً إلى جهودها المستمرة في تطوير بنية تحتية مستدامة، أثبتت الدولة أن النمو السريع يمكن أن يتماشى مع كفاءة ذكية في استخدام الموارد. وتُعدّ شركات المرافق عنصراً أساسياً في هذه المعادلة، إذ توازن بين تقديم الخدمات الحيوية، وتحقيق أهداف الدولة في الاستدامة.
تحقيق الأهداف طويلة الأمد
تقوم مسيرة التنمية في دولة الإمارات، على أولويتين متلازمتين: تنويع الاقتصاد، والتعامل بفعالية مع محدودية الموارد الطبيعية. ففي بيئتنا الصحراوية، يتطلّب التصدي لشحّ المياه، حلولاً متقدمة، وتُعدّ التحلية بتقنية التناضح العكسي، مثالاً واضحاً لذلك. وهنا، تتميز "الاتحاد للماء والكهرباء" بكونها شركة المرافق الوحيدة في الدولة، التي تعتمد كلياً على هذه التقنية في عمليات الإنتاج. وهو تحوّل استراتيجي، نظراً لأن التناضح العكسي أكثر كفاءة في استهلاك الطاقة، مقارنة بطرق التحلية الحرارية التقليدية. وقد وصلت محطة "نقاء"، التابعة لنا، وهي إحدى أكبر محطات التناضح العكسي على مستوى العالم، إلى طاقتها الكاملة البالغة 150 مليون جالون يومياً في عام 2022، ما يبرهن على فعالية هذا النهج.
في الوقت نفسه، يتعيّن علينا تلبية الطلب المتزايد على الطاقة، ضمن مسار واضح لخفض الانبعاثات. وقد حدّدت النسخة المحدّثة من "استراتيجية الإمارات للطاقة 2050"، طموحاً وطنياً يتمثّل في مضاعفة حصة الطاقة المتجددة ثلاث مرات، إلى جانب استقطاب استثمارات تتراوح بين 150 و200 مليار درهم، بحلول عام 2030.
وتبقى شركات المرافق، الركيزة الأساسية لهذا التحوّل، بما تمثله من ضمان لاستمرارية الخدمة، ودعم محوري لتحقيق أهداف الحياد الكربوني.
هذا التحدي لا يقتصر على دولة الإمارات وحدها؛ فمناطق جافة أخرى، مثل جنوب كاليفورنيا، وبعض أنحاء أستراليا، تواجه ضغوطاً مناخية مماثلة، تدفعها إلى تطوير حلول متقدمة في مجالي المياه والطاقة. وعليه، يمكن لتجربة الإمارات، أن تشكّل نموذجاً مُلهِماً ومفيداً لتلك المناطق.
ويتطلّب النجاح في هذا المشهد المتغيّر، تحقيق توازن دقيق بين التوسع في القدرات، وتحقيق الاستدامة. فأولاً، يتعيّن على شركات المرافق توسيع قدراتها بطريقة اقتصادية، بالتوازي مع خفض الانبعاثات. إذ تستهدف "استراتيجية الإمارات للطاقة 2050"، تحسين كفاءة الطاقة بنسبة 42 - 45% بحلول عام 2030، مقارنة بمستويات عام 2019، مع خفض الانبعاثات، لدعم استراتيجية الإمارات للحياد المناخي 2050. ويتطلب هذا التحول اعتماداً واسعاً على الشبكات الذكية، والتنبؤ بالطلب باستخدام الذكاء الاصطناعي، والتحسين الرقمي، وهي تقنيات لم تعد خياراً، بل أصبحت ضرورة لتأهيل البنية التحتية للمستقبل.
ثانياً، لا يمكن للتكنولوجيا وحدها أن تُحدث التحول المنشود، إذ لا بد من إشراك المتعاملين في هذه المسيرة. فتعزيز ثقافة الاستهلاك المسؤول بات أمراً جوهرياً، وتُعدّ حملات التوعية السلوكية، المستندة إلى أفضل الممارسات العالمية، ومخرجات المؤتمرات المتخصصة، مثل "المؤتمر العالمي للمرافق 2025"، أدوات فعالة لتمكين الأفراد من أداء دورهم في تحقيق الاستدامة.
ثالثاً، ينبغي توسيع نطاق المبادرات الواعدة، مثل تحلية المياه باستخدام الطاقة الشمسية، وتقنيات الكشف الذكي عن التسربات، من أجل تعميم الأثر، وتحقيق نتائج ملموسة. ويُجسّد الهدف الوطني برفع القدرة الإنتاجية للطاقة النظيفة من 14.2 إلى 19.8 جيجاواط، بحلول عام 2030، وزيادة حصتها إلى 30% من مزيج الطاقة الكلي، هذا التوجه الطموح نحو مستقبل مستدام.
نحو خطوة حاسمة
يعتمد التحوّل الحقيقي في قطاع المرافق، على التزام جماعي من جميع الأطراف المعنية، فالبيئة التنظيمية الداعمة، والشراكات القوية بين القطاعين العام والخاص، والحوافز الموجهة، يمكن أن تُسرّع تبنّي الحلول المبتكرة، مثل الشبكات الذكية المدعومة بالذكاء الاصطناعي، وأنظمة المياه اللامركزية. كما أن الشركات تمتلك فرصة متميزة لتوظيف البيانات، وتطوير برامج ولاء تشجّع السلوك المستدام، ما يحوّل المتعاملين إلى مساهمين فاعلين في تحوّل الطاقة والمياه. أما الأفراد، فيمكنهم إحداث فرق حقيقي من خلال اعتماد تقنيات ذكية يسهل الوصول إليها، وإعادة التفكير في أنماط الاستهلاك. فكل خطوة صغيرة، من تركيب منظّم حرارة ذكي، إلى تقليل هدر المياه، تسهم في نجاحنا المشترك.
تُظهر تجربة الإمارات أن النمو الاقتصادي، والحفاظ على البيئة، ليسا مسارين متضادين. فمن خلال الابتكار، والتعاون، ورؤية وطنية واضحة، يمكن لشركات المرافق، أن تتصدر قيادة الطريق نحو مستقبل مستدام. وتبقى "الاتحاد للماء والكهرباء" ملتزمة ببناء نماذج مرافق متكاملة، تستشرف المستقبل، وتخدم الإنسان والبيئة على حد سواء، ما يضمن مستقبلاً أكثر ازدهاراً واستدامة للأجيال القادمة.